كرة القدم

كرة القدم والشعارات الكاذبة…كيف جاوب حسن سبانخ على طوني سوبرانو ؟

لماذا نشاهد كرة القدم ؟

ملحوظة : نحن لا نحاول تحريضك على تغيير فريقك المفضل ، او نخبرك بتركه او نجبرك على الإلحاد الكروي ، نحن لا نقصد اي من هذه الاشياء بل ارجو ان تعتبر اننا لا نقصد اي شئ على الإطلاق ، فارجو ان لا تنصب لنا المشانق في ساحات مواقع التواصل الاجتماعي واي شبه بين هذا المقال وبين الواقع فهو مقصود تماما.

هل سبق وسألت نفسك لماذا نشاهد كرة القدم ؟ هل طرأ هذا السؤال على عقلك من قبل ؟ ولماذا نرتبط بهذه اللعبة بهذا الشكل ؟ لدرجة انك تجد نفسك تصرخ وتتعرق وتاكل اظافرك من القلق ، تشوح بيديك وتتهكم بفمك وكأنك تعيش بداخل اللعبة ، وكأنك في الملعب ولست امام شاشة تلفاز ما.

في مسلسل العصابات الامريكي ” The sopranos” تتحدث الشخصية الرئيسية طوني مع طبيبته النفسية قائلا :

” ذلك اليوم كنت اشاهد فيلما لبراد بيت وتلك الشقراء…فيلم سفن. انه فيلم جيد لم اره من قيل ، لكن في منتصف الفيلم بدأت افكر…ان هذا هراء وان هذا مضيعة للوقت ، لماذا اكترث من هو القاتل ؟ ما الفرق الذي ستحدثه هذه المعلومة في حياتي ؟”

ينطبق هذا المنطق على كرة القدم ايضا ، ما سر هذا التعلق المرضي بفرقنا المفضلة ؟ ما الغاية ؟ ما الفرق الذي سيحدثه فوز فريقك من عدمه في حياتك ؟ لماذا نشعر اننا يجب ان نعاني مع كل تعثر لكي نستحق كل فوز ؟ هل سألت نفسك بعد توالي التعثرات او الصيام عن البطولات او لاي سبب امر الى اي حد يجب ان تسير مع فريقك ؟ هل من المنطقي اساسا ان نشجع كرة القدم او اي نوع اخر من الرياضة ؟

ابحاث حديثة ترجح ان الإجابة هي…لا. في المتوسط ، كرة القدم – التي تعد اشهر رياضة في العالم – تجعل الناس اقل سعادة بكثير.

بيتر دولتون وجورج ماكيرون من جامعة ساسكس قاموا بجمع مجموعة من البيانات ليقيسوا مدى سعادة الناس ، ملايين التقارير من مئات الالاف من الناس ، اغلبهم في بريطانيا. هؤلاء الناس قاموا بالتسجيل في تقاريرهم عن مدى سعادتهم خلال اوقات مختلفة من اليوم وما يفعلونه خلال تلك الاوقات.

جمع بيتر وجورج ايضا بيانات لكرة القدم الانجليزية والاسكوتلندية خلال ثلاث اعوام متعاقبة بيانات تضمنت توقيت المباريات والنتائج وغيرها من الامور.

مع ربط مجموعتين البيانات معا رأى الثنائي كيف بإمكان سعادة الناس ان تتأثر بما يحدث في مباراة كرة قدم. وجدوا اجابة قاطعة ان فوز لفريقك المفضل يترك اثر ايجابي عندك نعم ولكنه اقل بكثير من الاثر السلبي الذي تتركه اي خسارة له. ولأن مراراة الهزيمة اعظم بكثير من سعادة الفوز تسببت كرة القدم في تقليل سعادة الكثير من الناس لعشرات السنين.

وبالطبع الاثر السلبي يتضاعف اذا ما شاهدت المباراة في الملعب. يتضاعف ايضا اذا ما كان فريقك مرشحا للفوز وخسر ولكنه يظل موجودا حتى اذا كانت خسارته متوقعة.

مما يعني اذا لم يكن فريقك جاهزا للفوز في اغلب الاوقات ، اليس من الخطأ ان نبذل كل هذا الجهد العاطفي في الامر ؟ الا يجب ان نبحث عن شئ افضل لنفعله ؟اذا كانت اللعبة مؤذية بهذا الشكل لماذا يرتبط الناس بها بتلك الدرجة المرضية من التعصب ؟

شون انغل محرر الغارديان كتب في مقال ردا على هذه الاسئلة بأن مشجعي كرة القدم ببساطة شديدة اغبياء (ونعم ، هذا يتضمنه هو نفسه) او لنعيد صياغة تلك الجملة ، الناس الاذكياء يتصرفون بغباء حين يتعلق الامر بكرة القدم.

هم اغبياء لأنهم متعلقون برياضة برغم قلة تنافسيتها في السنوات الاخيرة الا انها مازالت تسحب الكثير من اموالك وان عقولها المدبرة مازالت تفكر بشكل دائم في طرق جديدة لسحب رزم اكبر من محفظتك وانهم في الوقت الوحيد الذي لا يعدون فيه نقودك فهم مستغرقين في الضحك عليك !

شون يواصل وهو يتوقع لك احداث الموسم قائلا :

” هذا هو ما سيحدث في البريميرليج هذا الموسم. احد الثلاثي تشيلسي ، ارسنال ومان يونايتد سيحقق اللقب. ليفربول سياتي رابعا ، واحد من العشر او احدى عشر فريق الذين يحتلون منتصف الترتيب سيفأجئنا اما الباقين فلن يفعلوا وعلى الاقل واحد من الاندية الصاعدة سيهبط مرة اخرى. متفاجئ ؟ مصدوم ؟ ام فقط تفكر ” حسنا وما هي نقطتك” ؟ حسنا ان كنت تفكر في الاحتمال الثالث فلابد انك قد ادركت بالفعل ان كرة القدم لطالما كانت متوقعة بهذا الشكل ، اعني الم يفز ليفربول بكل شئ تقريبا في الثمانينات ؟ بين 1985 و 1995 ثلاثة عشر فريق انهوا الموسم في اول ثلاث مراكز ، نفس العدد في العقد الذي سبقه (والعقد الذي سبق ذلك ايضا). ”

وفي نهاية الموسم حقق تشيلسي البريميرليج ، احتل ليفربول المركز الثالث عوضا عن الرابع وحقق بولتون واندرز المفاجاة ببنما بقية اندية الوسط لم تفعل ، بينما هبط شيفيلد وواتفورد مباشرة. حسنا نسبة صحة توقعه لم تكن 100% لكنها كذلك كانت عالية جدا.

لقد كتب المقال قبل 15 عام لكن حتى بمقاييس اليوم لا يبدو ان كلامه بعيد عن الحقيقة ، اعني انظر حولك..كم مرة حقق بايرن ميونيخ الدوري في اخر عشر سنوات ؟ كم مرة حققه يوفينتوس او برشلونة ؟ كما مرة تنافس اثنين او ثلاثة من اليونايتد وتوتنهام وتشيلسي وارسنال على مركز دوري الابطال في اخر بضعة سنوات ؟ وكم مرة انضم اليهم فريق من وسط الجدول في مفاجاة بينما لما يقم بقية الفرق بأي مفاجاة ؟ كم مرة هبط فريق واحد على الاقل ممن صعدوا مباشرة ؟ الا تبدو كرة القدم مكررة للغاية حتى في مفاجئتها ؟

شون يواصل قائلا :

” سيتقبل بعض المشجعين كل ما سبق ثم يظهرون ورقتهم الاخيرة ، اعظم حجة دفاع على الإطلاق…الوفاء ، الاعتقاد بأن هناك رابط خاص بينك وبين اللاعبين والفريق. انت تتبعهم الى كل مكان ، ربما ايضا تتشاجر بسببهم لكن للأسف هذا الشعور ليس متبادلا.”

كتب ريك غيكوسكي في كتابه الممتاز ” مشجع خلف كواليس البريميرشيب” عن نادي كوفينتري خلال موسم 1997-1998 قائلا :

” بينما يظهر المحترفون الاحترام للمشجعين فهم يعتقدون انهم مغفلون.

في حديث اجريته مع اللاعب جون سالاكو قال لي : ” المشجعون..اغلبهم حزينون. يعتقدون ان اللعبة اهم مما هي عليه ، اعتقد ان ذلك يقول شيئا عن الحياة البائسة التي يعيشونها. ”

لاعب اخر لم يود الإفصاح عن اسمه اخبرني ببساطة شديدة :

” المشجعين ؟ اللاعبون يكرهون المشجعين !”

تجد كذلك انه كلما انتقل لاعب الى فريق اكبر من اجل مال اكثر يظهر المشجعين في التلفزيون يبصقون عليه وينعتونه بالخائن ، من الغريب ان اي منهم لن يرفض زيادة 200% في راتبه اذا انتقل الى شركة اخرى ؟! لكنهم يعاملون اللاعبين كقديسين ويزينون اللعبة بالكثير من الشعارات الفارغة الكاذبة التي تصل احيانا الى حد وصفها بالدين !

اما عن بيتر وجورج فهما لا يعلمان بالتحديد لماذا يشاهد الناس كرة القدم ، البعض فقط يحب مشاهدتها لأنه يفتقد لاحاسيس معينة ، فقد يجد الناس فيها معوضا عن جوانب حياتية اخرى مليئة بالمشاكل ، وقد يكون من الممتع للناس الشعور بالحيرة والترقب ايضا. كما ان التشجيع يوفر نوع من العلاقة مع اطفالك ، والديك ، جديك.

نعم تداعيات الخسارة قد تكون سيئة ، لكنها قد تنسى تحت الفوائد الإجمالية للامر. ولكن يظل السؤال لهؤلاء الذين تطير ارواحهم عاليا مع النجاحات احيانا وتسقط غالبا مع الخيبات..هل يستحق الامر ذلك ؟

في 2019 كتب مارك واتسون وداني ميلز مقال مشترك في الغادريان عن هل كرة القدم اكثر من مجرد لعبة ، كل منهم كان له رأي مختلف وشرحوه.

ما كتبه مارك مثير للاعجاب اكثر فبرغم انه يقول لا ليست اكثر من مجرد لعبة ، ولكته ليس محرجا من ان يعترف بأن بعض اسعد ذكريات حياته وفرتها كرة القدم.

يواصل مارك :

” كطفل بعمر السادسة سمح لي بمشاهدة نهائي كاس العالم 1986 شهدت قلق عمي وهو يقول بأن ذهاب المباراة الى الاشواط الاضافية سيكلفه تقويت قطاره ، وشهدت سعادته بهدف الارجنتين المتأخر الذي منع حدوث ذلك. بعد عشرين عام من ذلك لم انعم بالنوم لليلة كاملة بسبب قلقي من مباراة مصيرية لفريق مدينتي.

حتى بعيدا عني فلقد شهدت امثلة كثيرة لرجال عاقلون يبكون بحرقة ، او يغيرون خطط السفر ، او يخاطرون بعلاقات عاطفية او ينهون صداقة طويلة الامد ، او يأكلون السجائر بدل تدخينها او يشتمون ويلعنون امام ابنائهم واجدادهم بسبب اثنين وعشرين رجلا يتعرقون.

اعتقد ان في النهاية كل القصة هي اثنين وعشرين رجلا يطاردون كرة بينما العديد والعديد من الرجال الاخرين يصرخون مطالبينهم ان يطاردوها بشكل افضل. لم اسمع ابدا عن اي هدف عالج مرضا من امراض العالم ، ولم اسمع ان منح ركلة حرة وهمية قد قتل احدهم (ماعدا بضعة حكام في امريكا الجنوبية اقتربوا للغاية من ذلك).

لذا بكل عقلانية نعم كرة القدم ليست اكثر او اقل من مجرد لعبة وحتى أكثر مشجعيها تعصبا – انا – يعتقد ذلك. لكن الشئ حول التحدث بعقلانية انه يمكن ان يدمر بقية حياتك اذا ما طبقت المثل عليها. الافلام هي مجرد اشخاص ذوي اجور كبيرة يرددون بضعة جمل متفقة عليها ، الموسيقى هي مجرد اشخاص يعزفون الحان مختلفة بشكل صغير جدا عن ما سبقها وما سبق الذي سبقها. لكننا نعشق كل هذه الاشياء لأننا نفهمهم ليس كاشياء منطقية ولكن كتجارب تجعلنا نشعر باشياء غير عادية ، وكأنها غذاء للروح.

حين يقوم اي نشاط بمثل هذا التأثير على الملايين حول العالم فليس من الحكيم التقليل من شأنه. لأنه اذا اعجبنا الامر ام لا فبنزواتها وتقاليدها ولا معقوليتها اصبحت كرة القدم انجح رياضة اخترعها البشر في تاريخهم.

لذا في المرة القادمة التي تشاهد صديقك مستاء فيها بعد خسارة فريقه ارجوك لا تقل له ” انها مجرد لعبة” بل قل ” اتها مجرد لعبة لكنها لعبة تحظى بتحكم غير معقول على المشاعر لذلك رد فعلك الميلودرامي مبرر تماما.” ثم حاول تغيير الموضوع قبل ان يبدأ المطالبة بمشاهدة ملخص المباراة على هاتفك. ”

في فيلم المصري الافوكاتو لرأفت الميهي ومن بطولة عادل امام يدور حوار بين شخصية الاخير حسن سبانخ وشخصية اخرى ، يبدأ سبانخ الحوار كالتالي :

– الحياة مقرفة جدا يا عبدالجبار…والغريبة انك لو رفضتها عشان مقرفة فهتبقى مقرفة اكتر.
– طب والحل ؟
– الحل ان نعامل الحياة بقوانينها عشان نستمتع بجمالها.

وربما يجب ان نفعل كما قال سبانخ وان نعامل الحياة بقوانينها وان نتقبل قرف كرة القدم – سواء كانت اكثر من مجرد لعبة ام لا – من اجل الاستمتاع بجمالها ، هكذا يعمل الكون في كل شئ كما يبدو.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى